قصص وأوراق بحثية

نداءات الثورة والفنّ: تصوير ذاتي للممارسة الفنيّة

فارس شوملي

 

أثناء تصفّحي لأرشيف مركز الواسطي للفنون في القدس، شدّتني مجموعة من كتيّبات المعارض (الكتالوجات)، ورحت أقرأ مقدّماتها وأتفحّص صور الأعمال الفنيّة فيها، ولاحظت أمراً مميّزاً في مجموعة من الكتيّبات الصادرة في الثمانينيّات وأوائل التسعينيّات؛ كان الفنّانون الفلسطينيّون حينها يخصّصون مساحة مقدّمات هذه الكتيّبات لمراجعة المعاني الاجتماعيّة السياسيّة والوطنيّة لممارساتهم الفنيّة. هذه المقدّمات كأعمال التصوير الذاتي Self Portrait، يصوّر من خلالها الفنّانون أنفسهم وممارساتهم، كما أصبحت، في بضعة أحيان، بمثابة بيان أو مانيفيستو فنّي-سياسي ينهمك في تأطير العلاقة بين الفنّ والفنّانين من جهة، والصراعات الاجتماعيّة والشرط الاستعماري من جهة أخرى، فنجد فيها محاولات إجابة عن تساؤلات حول الفنّ في الثورة، والثورة في الفنّ.

كتب معظم هذه المقدّمات الفنّانون أنفسهم. ومن الممكن أنّ بعضها شارك في كتابتها أكثر من فنّان. كما أنّ معظم هذه المقدّمات لم توقَّع باسم أفراد، بل باسم جماعات، وجزء منها لم يُوقَّع أبداً، وفي حالات قليلة كتب بعض هذه المقدّمات أدباء ومثقّفون فلسطينيّون كانوا قريبين من الحركة التشكيليّة وإنتاجها في الأرض المحتلّة، وعلى حوار مع مشكلاتها.

أسعى في هذا المقال إلى البحث في تصوّرات الفنّانين والمجموعات الفنيّة المختلفة حول ممارساتهم الفنيّة ومعانيها بارتباطها بثورة التحرّر الوطني، وفحص التباينات والخلافات فيما بينها، بالاعتماد بشكل أساسي على مراجعة مقدّمات كتيّبات المعارض، وأعرض إضاءات أوليّة حول جملة من القضايا المستخرجة من المقدّمات، قد تصلح كل واحدة منها لتكون عنواناً للبحث بحدّ ذاتها، إلّا أنّني، ولمحدوديّة المادّة المتوفّرة وحجم النص وطبيعته، سأكتفي بتقديم مسح أولي، وتسليط الضوء على هذه العناوين، مع عرض مقتطفات طويلة من متن المقدّمات.

أخيراً، وقبل البدء في المراجعة، أودّ الإشارة إلى أنّ جميع نصوص المقدّمات المقتطفة في هذا المقال وردت في كتالوجات لمعارض جماعيّة أُنتجت قبل مرحلة أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينيّة. كما أودّ الإشارة أيضاً إلى أنّني، عند تضمين نصوص المقدّمات في المقال، عدَّلت بعض الأخطاء القواعديّة أو الإملائيّة حيثما وجدتها، دون المساس بالصياغة أو أسلوب الكتابة.

 

الفنّانون – البنّاؤون

 

بعد قراءتي لهذه المقدّمات، تولّد لديّ تصور بأنّ الفنّانين الفلسطينيّين في الأرض المحتلّة كانوا منشغلين بشكل أساسي بتشييد ثلاثة بناءات متداخلة: الثقافة والحركة والأيقونيّة. شغلت هذه البناءات الثلاثة الحيّز الأكبر في مقدّمات الكتيبات، من بناء الهويّة والثقافة الوطنيّتين، وبناء الحركة التشكيليّة في الأرض المحتلّة وتأسيس رابطة التشكيليّين الفلسطينيّين، وبناء لغة بصريّة ومعجم رمزي وأيقوني. وفي سيرورة البناء هذه كان يتحدّد التشكّل المستمرّ للممارسة الفنيّة ومعانيها الاجتماعيّة والسياسيّة والوطنيّة.

 

بناء الثقافة الوطنية

تأكيداً على أهميّة تطوير ورفد الحركة الفنيّة التشكيليّة في الأرض المحتلّة، واستكمالاً لخطواتها الهادفة لتشجيع المواهب الفنيّة الصاعدة والنهوض بها، تفخر رابطة الفنّانين التشكيليّين في الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة بإقامة “المعرض الأول” لأعضائها المؤازرين، الذين سيحملون لواء الفنّ التشكيلي في الأرض المحتلّة المتطلّع لأفق الحياة الطموحة الحرّة الكريمة، وليظلّ أحد الأركان الأكيدة والثابتة في بناء ثقافتنا الوطنيّة المشرقة[1].

 

يشير الاقتباس السابق إلى أنّ الفنّ التشكيلي المتطلّع للتحرّر هو جزء لا يتجزّأ من مشروع بناء الثقافة الوطنيّة، ولكن عن أيّ ثقافة نتحدث؟ فالثقافة ليست بناء ثابتاً جامداً فوق التاريخ، بل هي متحوّلة ومتغيّرة وغير ثابتة ولا متماثلة عبر الزمن أو عبر السياسة (الطبقة). يشير فيصل دراج إلى أنّه “لا وجود لمشروع سياسي من دون مشروع ثقافي يحاكيه، ولا قيام لمشروع وطني جديد خارج ثقافة جديدة تمهّد له وتقترح له آفاقه الممكنة”[2]. ما يُقصد هنا ببناء الثقافة الوطنيّة هو طبعة محدّدة من الثقافة ارتبطت ببزوغ مشروع التحرّر الوطني بقيادة البرجوازيّة الصغيرة. مشروع التحرّر الوطني هذا، أي المشروع السياسي لمنظّمة التحرير الفلسطينيّة، وما ارتبط به من هويّة وثقافة قوميّتين تدعوان للتحرّر، هو جزء من نهوض الجنوب العالمي في منتصف القرن العشرين بمشاريع سياسيّة مناهضة للاستعمار، وليست هذه المقاربة، التي ترى في مشاريع التحرّر شرطاً لازدهار الثقافة، غريبة عن مشاريع التحرّر الوطني للجنوب العالمي ككل[3].

يجري الحديث في هذه المقدّمات، إذاً، عن معنى محدّد مضمر للهويّة والثقافة اللّذَين يسعى الفنّ إلى تعزيزهما، هما الرافضتَين للاستعمار والساعيتَين إلى الاستقلال الوطني، أو، بحسب وصف عبد اللطيف عقل، “هويّة سياسيّة مقاومة في جماليّتها”:

يقتحم الفنّان الفلسطيني العالم، يقتحمه للدخول في ذاته بالمادّة والعنصر والصورة، يقلب تجاوزات المادّة والعناصر ويمسكها ثقافة ذات صور جوهرها المعاناة، يصبح هذا العالم العقل الحيادي عالماً خاصّاً، كلّه هويّة سياسيّة مقاومة في جماليّاتها، يطوّعه إلى صوره الحادّة الملامح ذات العلامات الفارقة، ويصبح هذا العالم المجّاني والحيادي مسكوناً بخصوصيّة ذات جمال أخّاذ[4].

 

بناء الحركة التشكيليّة ومؤسّساتها

والفنّانون، حين يصوِّرون أنفسهم كبنّائين للثقافة والهويّة الوطنيّة المناهضة للاستعمار، فهم يرون أنفسهم، إذاً، جزءاً أساسيّاً من بُناة الثورة ذاتها أيضاً. اتّخذت الرابطة الديك شعاراً لها، وكان ديك الرابطة يبدو مطرَّزاً على خلفية الكتالوجات والمنشورات المختلفة. الدلالة الأبرز للديك هو التصوّر الذاتي لفنّاني الرابطة حول ممارستهم الفنيّة كعمل دعويّ يهدف إلى إيقاظ الجماهير والصحوة الوطنيّة. وللديك المُطرَّز أيضاً رمزيّات أخرى تتعلّق بالريف والقرية، وهو موتيف أساسي في الفنّ الفلسطيني حينها.

 

 

 

تصبح هذه الصورة أكثر وضوحاً عند الحديث عن بناء الحركة التشكيليّة في الأرض المحتلّة، خصوصاً أنّ رابطة الفنّانين التشكيليّين (١٩٧٣ – ١٩٧٥)[5] اعتبرت بمثابة فرع الأرض المحتلّة في الاتحاد العام للفنّانين التشكيليّين الفلسطينيّين (١٩٧٩)، وكان تأسيسها جزءاً من ذات المرحلة التي بدأ فيها بناء جمعيّات ونوادٍ ومؤسّسات وأُطُر جماهيريّة قطاعيّة أو نقابيّة وطنيّة، لها علاقاتها بمنظّمة التحرير والأحزاب الوطنيّة.

وبالرغم من الأهداف العامّة المشتركة بين فنّاني الرابطة، إلا أنّ بناء الحركة التشكيليّة وتأسيس الرابطة في الأرض المحتلّة لم يخلُ من صراع الديوك، فكثرت النزاعات والصراعات الداخليّة، ووجدت هذه الخلافات طريقها إلى الصحف، وفي بعض الأحيان إلى مقدّمات الكتالوجات، فنجد في كتالوج معرض لجماعة ناجي العلي، المنشقّة عن الرابطة، نقداً حادّاً للهيئة الإداريّة للرابطة، وهجوماً عليها واتّهامها بالفساد المالي والإداري:

هدف جماعة ناجي العلي المحافظة على وحدة الحركة التشكيليّة الفلسطينيّة في الضفة والقطاع، وإثراؤها ومقاومة الفساد الإداري والمالي، وتغليب المصلحة العامّة على الخاصّة.

(…)

لقد بلغت الحركة التشكيليّة الفلسطينيّة مرحلة حرجة يمكن فيها للفنّان الحرّ فقط، والمتحرّر من العقليّة الضيّقة، أن يحدّد دوافع الفنّ الفلسطيني، ويمنع التسلّط والتفرّد والاستبداد الفردي. لقد آن الأوان لكي ينسى الفنّان التشكيلي الفلسطيني المصالح الضيّقة، وأن يتعلّم من شهداء الانتفاضة تقديم المصلحة العامّة على الخاصّة، كما آن الأوان لكي يسعى الفنّان التشكيلي الفلسطيني لكي يثقّف نفسه بنفسه، حتى يرتفع، ولو قليلاً، إلى مستوى شهداء الانتفاضة[6].

في المقابل، نجد في كتالوج معرض لجماعة يبوس[7] مقولة -شبه اعتراضيّة- تؤكّد على وحدة الحركة التشكيليّة، في محاولة لنفي استباقي لأيّ تهم ممكنة أو متوقّعة في حقّ يبوس بالانفصاليّة:

وقد اتّفق أعضاء “يبوس” على النشاط على صعيد الإبداع الفنّي الكمّي والنوعي، وعلى القيام بنشاطات عديدة مشتركة تحت اسم “يبوس” وضمن إطار رابطة التشكيليّين الفلسطينيّين، متقيّدة بنظام الرابطة الأم وبقراراتها.

تجمّع “يبوس”، ومن منطلق حرصه على سلامة واستمراريّة الحركة التشكيليّة الفلسطينيّة للدور الملقى على عاتقه، سوف يعمل بشكل جاد وحازم على تعزيز التوجّه الديمقراطي في العمل على تفعيل الرابطة، متجاوزاً كل المعيقات والأزمات لكي تأخذ دورها الطبيعي في إطار الحركة الثقافيّة الفلسطينيّة، بعيداً عن أيّ نزعات فئويّة أو فرديّة، وبعيداً عن الهيمنة وضدّ أيّ توجه انشقاقي[8].

وشملت العديد من مقدّمات كتالوجات الرابطة على لائحة بالمعارض الفرديّة والجماعيّة وسرد لإنجازات هيئتها الإداريّة. هذه اللائحة هي، ربّما، بمثابة ردّ على الانتقادات الداخليّة والاتهامات المتكرّرة والدوريّة بحقّ الهيئات الإداريّة المختلفة إمّا بضعف الإنجاز أو بالفساد أحياناً، أو غيرها. هذه النزاعات والصراعات، وإن كانت تبدو في العديد من الأحيان كصراعات شخصيّة، إلّا أنها كانت تخفي، في بعض الأحيان، صراعات مبدئيّة أو صراعات حول سياسات الرابطة ومن يديرها وكيف، أو خلافات فنيّة ربّما. أحد الخلافات البارزة، مثلاً، كان حول النظام الداخلي للرابطة، وحول بعض التفاصيل في المعارض المشتركة مع الفنّانين الإسرائيليّين التقدُّميّين.

في الوقت ذاته، تلعب هذه اللوائح دوراً آخر على الصعيد الشعبي، فهي لم تَكُن محصورة التوجيه نحو الفنّانين فقط، بل وُجِّهَت أيضاً نحو عموم جمهور الفنّ، لتصبح، بذلك، بمثابة بيان إداري توضّح فيه الهيئة الإداريّة للرابطة إنجازاتها أمام أعضائها، وفي الوقت نفسه، بيان جماهيري تبرّر من خلاله معنى وجدوى الممارسة الفنيّة أمام الجمهور. ما يُعزّز هذا التفسير هو التركيز في اللوائح على النشاطات ذات الطابع الجماهيري، كالمعارض والندوات، خصوصاً بارتباطها بالمناسبات الوطنيّة والحالة النضاليّة.

 

 

 

البناء الأيقوني والبصري

تمثّل البناء الثالث للفنّانين في تطوير لغة بصريّة ومنظومة رمزيّة وأيقونيّة. هنالك الكثير ليقال حول علاقة هذه المنظومة بتلك التي طُوِّرت في أوساط الفنّانين الفلسطينيّين في الشتات أو في المراحل السابقة، إلّا أنّنا سنركّز هنا على بضعة نقاط أساسيّة ترتبط بالسيادة والأصلانيّة، والماضي والتراث، والمستقبل.

في العام ١٩٧٩ تأسّست غاليري ٧٩ في مدينة رام الله، ولم يصبر الاحتلال مطوّلاً قبل أن يداهمها ويصادر بعض اللّوحات ويغلقها لمدة شهرين. بعد إعادة الافتتاح، أقام الفنّان سليمان منصور معرضاً شخصيّاً استمرّ ليوم واحد قبل أن يقتحم الاحتلال الغاليري مرّة أخرى ويغلقها، واستدعي على إثر ذلك الفنّانون عصام بدر ونبيل عناني وسليمان منصور إلى مقابلة ضابط إسرائيلي في بيت إيل.

هدّدهم الضابط حينها، وأوضح لهم منع إنتاج أعمال وصفها بالتحريضيّة، واستكمل موضِّحاً أنّه يُمنع على الفنّانين الفلسطينيّين توظيف بضعة رموز، كالقضبان والحطّة والبيوت المهدّمة والعلم الفلسطيني، في أعمالهم، كما يُمنع على ألوان العلم أن تجتمع في داخل الإطار[9]. يتّضح بذلك أنّ التحريض الذي قصده الضابط قد يكون، ببساطة، المجاهرة بمطلب السيادة.

 

السيادة، الأصلانيّة والتراث

لم يكن العلم الفلسطيني هو المصدر الوحيد الذي يستوحي منه الفنّانون رموزهم، ولكنّهم، بهذا المنع الصريح، اضطرّوا للاستعاضة بشكل كامل عن ألوان الأحمر والأسود والأخضر والأبيض كألوان تحمل دلالة الهويّة القوميّة ومشروع التحرّر الوطني. وربما تكون كثرة توظيف الألوان الترابيّة – والخامات المحليّة في مراحل لاحقة – في الأعمال الفلسطينيّة مرتبطةً بهذا الأمر؛ فللألوان الترابيّة دلالات هوياتيّة أيضاً في سياق الفنّ الفلسطيني، فهي تجعل من الطبيعة والأرض جزءاً أساسيّاً من العمل الفنّي، حتى حين لا تكونان موضوعاً له. والأرض هي مادّة الصراع الأساسيّة في مشروع الاستعمار الاستيطاني، وشرط لإعادة إنتاج مجتمع الاستيطان وتوسّعه[10]. في الوقت نفسه، فإنّ العلاقة بالأرض هي مصدر أساسي للادّعاء الأصلاني، فالأخير هذا متجذرٌ في الأرض وامتداد لها، على عكس ادّعاء المستوطن الدخيل، الذي تصبح فيه الألوان الترابيّة أو رسم المشهد الطبيعي مسعى لتحويل الجغرافيا إلى وطن:

هنا يصبح المكان وطناً وليس جغرافية، يحكمه البيت.

هنا يصير الزمان مدرسة وليس ثقافة، تحكمه المعاناة[11].

كذلك، فقد اعتبر الفنّانون ممارستهم الفنيّة ولغتهم البصريّة خطّ دفاع متقدّم في مواجهة ادّعاءات صهيونيّة تنفي الوجود الفلسطيني والهويّة الفلسطينية:

ينفرد كلّ شعب من الشعوب بإفرازاته الحضاريّة والثقافيّة الخاصّة به، ولشعبنا الفلسطيني تجربته المتميّزة والمتفرّدة عن بقيّة الشعوب من نضاله الدؤوب لرفع الهامة العربيّة وتحقيق حلمه بالحريّة ونيل الاستقلال. ومن هنا نجد تلك الخصوصيّة المتميّزة في الثقافة الفلسطينيّة متمثّلة في إحدى روافد هذه الثقافة، وهي الفنّ التشكيلي، فلقد أدرك فنّانونا بأهميّة تعميق وتحديد ملامح هويّتنا الفلسطينيّة، والتي تتعرّض يوميّاً لمحاولات الطمس والسلب. فما كان منهم إلّا رسم وتحديد تلك الملامح في إبداعاتهم، بدءاً باختيار الرموز والألوان، وانتهاء بالبناء التشكيلي للوحة. (…)

لقد أخذت رابطة التشكيليّين الفلسطينيّين على عاتقها رفع الحركة الفنيّة وتطويرها، إيماناً منها بأهميّة إبراز وتثبيت الهويّة الفلسطينيّة، وإيماناً منها بدور الفنّ التشكيلي في رسم وتحديد ملامح الغد المشرق واستشفاف آمال وتطلُّعات الجموع الفلسطينيّة، ورسم بصماتها جيلاً بعد جيل، حتى يغوص القادمون في تفاصيل حياة من سبقوهم، ويضيفوا لبِنة جديدة يضعوها في المكان الصحيح على هذا الصرح الفلسطيني، والذي شيّد بعذابات شعبنا وآلامه، بأفراحه وآماله، بطموحه المتجدّد والمبدع من أجل نيل الحريّة والوقوف على أعتاب فجرٍ جديد[12].

(…) رغم سلسلة التآمر الطويلة بهدف القضاء على هذه الهويّة الحضاريّة، استطاع شعبنا، وبكافّة فئاته، أن يخصص هذه المؤامرات، فكان الفنّ التشكيلي أحد أشكال النضال الفلسطيني (…)[13].

في السياق ذاته، جاءت أعمال جماعة التجريب والإبداع في الانتفاضة الأولى كبحث عن أسلوب فنّي أصيل[14]، والأصالة هنا تحمل معنيين؛ فهي تعني الابتكار originality، وفي الوقت ذاته تحمل معنى هويّاتياً Indigeneity. ولذا وصف الفنّان إبراهيم المزيّن[15] أعمال هذه الجماعة بأنّها غرابة دون الغربة والتغريب؛ فهي أعمال فنيّة معاصرة، ولكنّها توظّف الحرف والخامات المحليّة، وتنتمي فكريّاً إلى ما أسماه سليمان منصور “فلسفة الانتفاضة” في الاعتماد على الذات والمقاطعة الاقتصاديّة:

منذ عدّة سنوات وأنا أبحث، كغيري من الفنّانين في الأرض المحتلّة، عن أسلوب فنّي محلّي مميّز، وقد تنقّلت في بحثي هذا من مدرسة فنيّة إلى أخرى، مُستعملاً المواد الخام المعروفة المتواجدة في الأسواق، لكنّي لم أستطع أن أصل إلى شيء. وجاءت الانتفاضة وجلبت معها فلسفة الاعتماد على الذات، وبدأ الناس يزرعون أرضهم ويشترون من المنتوجات المحليّة، ويحتجّون على الاحتلال بأساليب ومواد وأدوات محليّة. وشعرت حينها بضرورة التعامل مع اللّوحة من نفس المنطلق وبالفلسفة ذاتها. إن لوحاتي هذه المعمولة بالطين والقشّ والغراء الحيواني، الملوّنة بالشيد والأصباغ الطبيعيّة، هي تجربة تهدف إلى الوصول إلى رؤية جديدة وأصيلة.

والفرق بينها وبين التجارب السابقة أنّها تبعث في أعماقي مشاعر الراحة والأمان.

 

سليمان منصور[16]

منذ فترة تزيد عن الخمس سنوات يعاودني شعور دفين بضرورة العودة إلى الطبيعة، التخلّص من التبعيّة التقليديّة لما هو كائن في الشكل واللون والخاتمة. وممّا ساعدني في تنفيذ هذه الفكرة الظروف السياسيّة والاقتصاديّة التي نعيشها يوميّاً، وما تتطلّب منّا من مقاطعة لكلّ ما هو غير فلسطيني، بالإضافة إلى مؤثّرات أخرى، كإعجابي بالفنون الشرقيّة القديمة… وكانت البداية، رغم صعوبتها، إلّا أنّها كانت خطوة نحو الهدف، فما أن بدأت أغلّف الخشب بالجلد حتى انتابني إحساس بأنّني على الطريق التي أبحث عنها، فرسمت أشكالاً وشخوصاً وزخارف بسيطة احتضنتها خلفيّات واسعة، تفصلها خطوط انحنائيّة طبيعيّة من فعل الخامة نفسها، مستلهماً عناصر من الأواني الفخاريّة الفلسطينيّة القديمة والتطريز، أشغال القشّ، البسط اليدويّة نفّذت بألوان أرضيّة من الحنّاء السمراء والحمراء.

مزيج من القديم والحديث ينقلنا من الماضي إلى الحاضر والمستقبل. الرسم على خامة الجلد الطبيعي، أعمال أقدّمها في هذا المعرض لا زالت في طور البحث والتجريب.

 

نبيل عناني[17]

كان خطاب التجريب والإبداع نقداً ذاتيّاً للأسلوب الفنّي باعتباره -كما يظهر في الاقتباس التالي- جزءاً من المعايير الجماليّة التي فُرِضَت على الذائقة، إشارة إلى تبنّي أساليب التعبير الفنيّة التي تطوّرت في السياق الأوروبي[18]، وربّما هي إشارة إلى الظروف السياسيّة التي فرضت على الفنّانين الرمزيّة المباشرة في العمل الفنّي. وسعى أعضاء التجريب والإبداع بالأساس إلى رفض الاكتفاء بثوريّة المضمون، والدفع نحو تثوير الأسلوب الفنّي. هذا يظهر بوضوح في الاقتباسَين التاليَين:

ظلّ الفنّ التشكيلي الفلسطيني، ولفترة طويلة، أسيراً لمعايير جماليّة فرضتها مجموعة من الظروف والقيم السياسيّة والاجتماعيّة والفكريّة، وقد ساعدت على ذلك العزلة الثقافيّة المفروضة، وغياب كليّات الفنون وقاعات العرض المتخصّصة والنقد الفنّي الجادّ، مما جعل الفنّ التشكيلي يدور في حلقة مُفرغة، معتمداً، بشكل أساسي، على التسجيليّة الواقعيّة والرمزيّة السطحيّة. ونتج عن هذا الوضع ركون عدد كبير من الفنّانين المحليّين إلى إمكانيّات المواضيع الثوريّة، وإهمال القيم الجماليّة الإبداعيّة[19].

غالباً ما نجد فنون الشعوب التي تناضل من أجل الحريّة والاستقلال مُنهمكة في التعبير عن نضالاتها من خلال فنون تعبيريّة مصبوغة بملامح سياسيّة، وغالباً ما يكون اعتماد فنّاني هذه الشعوب على ثوريّة الموضوعات المطروحة أكثر من اعتمادها على ثوريّة الرؤية الجماليّة. ورغم النضال اليومي الذي يخوضه شعبنا الفلسطيني من أجل الحريّة والاستقلال، ورغم إلحاحيّة هذه الظروف الصعبة، والتي تواجه الفنّان يوميّاً، نرى أنّ الفنان الفلسطيني يخوض مغامرة البحث الجمالي ومحاولة الارتقاء بالرؤية الفنيّة إلى مستوى يؤكّد حريّته الداخليّة وقدرته على استشراف الجمال والحقيقة، في خضمّ ضرورة الحاجة الأوليّة للإنسان، من تأمين لقمة العيش إلى نضاله اليومي لنيل الحرية[20].

في أعمال التجريب والإبداع يمتزج عنصرا الطبيعة والتراث في أسلوب ومضمون الأعمال الفنيّة، لتسجل مقولة فنيّة نقديّة حول البناء الرمزي والأيقوني لفنّ الأرض المحتلّة، ومقولة سياسيّة في سياق الانتفاضة. الارتكاز على التراث والبحث فيه لم يكن جديداً على الفنّ الفلسطيني عموماً، وفنّ الأرض المحتلّة خصوصاً، بل كان يُعتبر جزءاً أساسيّاً من بناء خطّ الدفاع عن الهويّة الوطنيّة:

عدا عن أنّ الرابطة تعمل بالإمكانيّات المتواضعة المتاحة لها على ترسيخ الملامح الوطنيّة والتراثيّة الفلسطينيّة، وتجابه بأعمالها ومعارضها حملات الاستلاب والإلغاء والتزوير، وما انفكّت تعمّق الثوابت الوطنيّة، وتبرز الظواهر الحضاريّة الفلسطينيّة العريقة[21].

يظهر دور التراث هنا مركزيّاً في مشروع نفي النفي للهويّة الفلسطينيّة؛ فهو – بحسب النص السابق – أداة لمواجهة فعل النفي الاستعماري للوجود الفلسطيني، وفي الوقت ذاته مرتكزٌ أساسيٌ في بناء التجربة الحضاريّة الجديدة للشعب الفلسطيني. وكان التراث بالنسبة للفنّانين موضوعاً وأسلوباً؛ فنجد الكثير من أعمال الفنّانين الفلسطينيّين التي جعلت من التراث موضوعها، وعبّرت عنه بالأزياء والطقوس الشعبيّة وغيرها. واستوحى الفنّانون كذلك في أساليبهم من التراث، فدرس واحترف جزء منهم الحرف والفنون الشعبيّة، مثل الخزف والخطّ العربي والتطريز والنسيج، وغيرها[22]. هكذا يصبح التراث مادةً حيّةً في الحاضر، لا صنماً ميّتاً في الماضي. وتكشف لنا المقدّمات أيضاً أنّ الفنّانين انتبهوا إلى الإشكاليّات التقليديّة المرتبطة بالتراث والهويّة، وخطر الانزلاق نحو المحليّة المفرطة أو الانعزال في الماضي، فتظهر إشارات في الكتالوجات إلى العلاقة ما بين الخصوصيّة والكونيّة، كما للخطّ الرفيع بين الأصلانيّة والأصوليّة، فنقرأ مثلاً:

ولم يغفل المبدعون أهميّة الاطلاع على آخر التجارب العالميّة كجزء من الحضارة الإنسانيّة، فاستلهموا بعضاً من هذه التجارب حتى لا تفقد ذلك التواصل الضروري لنقل منجزات هذا الشعب وخصوصيّة تجربته على المستوى النضالي والحضاري العالمي[23].

يتّضح بهذا أنّ استحضار التراث هو أسلوب فنّي مرتبط بشكل أساسي بالهويّة القوميّة للمشروع السياسي، وربما هو ممارسة تخليديّة لذاكرة حول فلسطين ما قبل النكبة، تخدم في تصوّر مستقبل متحرّر من الاستعمار.

 

المستقبليّة

إلى جانب استحضار التراث – الانشغال الآني للفنّانين في الماضي – نلحظ نزعات مستقبليّة ودعوات للاشتباك مع الواقع عبر استحضار المستقبل. في النص التالي نجد دعوة الفنّان كامل المغني لزملائه يوضّح فيها معنى ذلك:

ومرة أخرى نؤكّد أنّنا لسنا بحاجة إلى عمل فني يحاكي الواقع أو يصوّر موضوعاً بذاته، بقدر ما نحن بحاجة إلى العمل الذي يمدّنا بالقوة ويحيي فينا أمل المستقبل ويطرد عنّا شبح اليأس، ذلك العمل الذي يولّد فينا أبعاداً وطاقات لا حدود لها، ويتخطّى الحدث المباشر ليعبّر عن المغزى العميق[24].

ونجد طرحاً مشابهاً لدى جماعة يبوس في وصفهم للريشة التي ترسم خيوطاً مشعّةً بالفرح. فالمستقبل، تحت شعار “الحلم بحياة أجمل وممكنة”، كان جوابهم على السؤال عن ماهيّة العمل الفني لهذا الزمان:

“هناك لوحة ممكنة لهذا الزمان”

على هذه الأرض المسكونة بالوجع والأمنيات تستطيع الريشة أن تخطّ ألواناً تشعّ بالفرح، فلا يوجد وجع غريب عن روح الأصابع التي تعجن اللون وتطوّع رهافة الشعرات الدقيقة بما تشتهي أحلام البشر بحياة أجمل وممكنة[25].

بهذا الاستحضار للمستقبل لا يغيب الحاضر، بل ينتفي. وبهذا تكون المستقبليّة الفلسطينيّة هنا مغايرة لمستقبليّة الفاشيّة في أوائل القرن العشرين[26]، فهي هنا دعوة ثوريّة لتصوير عالم منعتق من الاستعمار، وهي أداة تحريضيّة عبر التذكُّر المستمر للهدف النهائي للنضال التحرّري، وتصوير العالم “الذي نموت من أجل أن يجيء”، كما وصفه الشاعر عبد اللطيف عقل:

تقول لوحات هؤلاء الفنّانين إنّ العالم الخارجي مقيت مثل تراكم الإسمنت والحديد، ويشكّل من نفس عناصر عين العالم عالماً جديداً، إذا لم يكن قد توفّر بعد، فإنّه يتكوّن بالتأكيد في أرواح هؤلاء الشباب، ثم ينداح خلال عيون الجماهير في قلوبها، إنهم يقدّمون العالم الفلسطيني الذي نموت من أجل أن يجيء.

ببعده المكاني الوطن…

ببعده الزماني الثقافة…

وببعده الديموغرافي الإنسان…

وسيجد الزائر للمعرض في أعمال هؤلاء كما وجدت، عالماً جماليّاً رائعاً في مقاومة العالم المفروض، إنهم يعيدون تشكيل العالم باللون العالمي الذي سيكون[27].

لاستحضار المستقبل جانب رمزي أو جمالي واضح في الأمثلة الثلاثة السابقة، ولكنّه أيضاً يحمل دعوة حرفيّة للثورة بما أنّها الفعل الأساسي لاستحضار المستقبل بالمعنى المادي. هنا ينتقل الحديث من عالم الدلالات الرمزيّة إلى عالم الفعل السياسي، بحيث يشتبك الفنّان بالواقع مناضلاً بكلّ كيانه، لا بفنّه فقط:

هل قال الفنّ كلّ ما عنده؟!

هل يستطيع فنّان أن يعيش بالقيم الحضاريّة – أن ينعزل عن صراع يتهدّدها؟؟؟

ألا يشكّل هذا الصراع نبضاً وحركة في داخل الفنّان تدفعه لأن يشارك في إبداع ملحمي في التعبير عن هذه اللحظة من التاريخ؟؟؟

ذلك هو السؤال الصعب الذي يلحّ على الفنّان الفلسطيني المعاصر(…)

ولكن، هل قال الفنّ كلّ ما عنده؟؟؟ إنّ آفاقاً كثيرة ما زالت ترتقبنا، ولقد حان الوقت الذي أصبح فيه من واجب الفنّان أن يعطي أحداث عصره وعيه الكامل، وأن يهبها عبقريّته ليستخلص من الأحداث حقائقها العميقة.

لقد سبق وأدرك فنّان عظيم مثل “بيكاسو” هذه الحقيقة حين قال: “لقد أثبتت سنوات الاضطهاد أنّه يتعيّن عليّ ألّا أكافح بفنّي فقط، ولكن بكلّ كياني، فما تظنّون بالفنّان؟؟ رجلاً أحمق لا يملك سوى عينين إذا كان رساماً، وأذنين إذا كان موسيقيّاً، وقيثارة في كلّ طبقة من طبقات القلب إذا كان شاعراً؟ إنه على العكس من ذلك، كائن سياسي دائم اليقظة أمام أحداث العالم، يتشكّل بها جميعاً، سواء كانت أحداثاً تمزّق القلب، أو أحداثاً رقيقة مثيرة”[28].

هذه الدعوة ليست غريبة عن خطاب الحركات المناهضة للاستعمار في الجنوب العالمي. يورد فرانز فانون على لسان أحمد سيكو توري، أوّل رئيس غيني بعد الاستقلال، أنَّ تأليف أغنية ثوريّة لا يكفي للمشاركة في الثورة الإفريقيّة، بل يتوجّب على الفنّانين المساهمة الفاعلة مع الشعب في الثورة، ثمّ ستعمّ الأغاني الثوريّة من تلقاء ذاتها[29].

في سياق الأرض المحتلّة، لعبت الرابطة، كونها إطاراً وطنيّاً يجمع وينظّم الفنّانين، دور الأداة الأساسيّة التي ربطت الفنّانين بحركة الجماهير، خصوصاً بعلاقتها -أي الرابطة- مع الحركة الوطنيّة ومنظمة التحرير وأُطُرها. ولم تكن العلاقة التي جمعت فنّاني الأرض المحتلّة بالثورة علاقةً وظيفية – في تلك المرحلة على الأقل – بل كانت ذات طابع عضوي، أي أنّ الفنّان لم يُستغلّ لخدمة المشروع السياسي، بل من الواضح في مقدمات هذه الكتالوجات أنّ الفنّانين كانوا مثقّفين عضويّين، وجزءاً من بُناة الثورة والمشروع السياسي التحرّري. ومع اندلاع الانتفاضة الأولى، كأنّما مُحيت الحدود ما بين السياسة والفنون، فأصبحت الممارسة الفنيّة فعلاً سياسيّاً، والممارسة السياسية للفنّانين عملاً جماليّاً وفنيّاً.

بلا شكّ أنّ الحركة الثقافيّة الإبداعيّة تأثّرت وأثّرت، بشكل أو بآخر، بالانتفاضة وباستمراريّتها، إلّا أنّ نشاط رابطة التشكيليّين المميّز وتعدّد معارضها المحليّة والعالميّة، إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على رغبة الفنّان الفلسطيني، وبحقّ، أن يكون جزءاً لا يتجزّأ من عمليّة التغيير المصيريّة التي يمرّ بها شعبنا، هذه الفترة بالذات[30].

 

خاتمة: أن نأخذ أنفسنا على محمل الجدّ أو كفى للسخرية!

 

في السنوات التالية للانتفاضة، دخلت القضيّة الفلسطينيّة مرحلة جديدة من التحوّلات البنيويّة، كان لها أثر كبير على الثقافة والمفاهيم والقيم الاجتماعيّة من بين أمور كثيرة. ومنذ أن وقعت عيناي على هذه المقدّمات، لم أستطع منع نفسي من ملاحظة المفارقات ما بينها وبين مقدّمات الكتالوجات في الوقت الحالي. حاولت منع هذه المقارنات من أن تجد طريقها إلى متن هذا النص، فهي ليست موضوع بحثي هنا، ولكنّني أدركت أثناء الحديث مع بعض الأصدقاء في مرحلتَي البحث والكتابة أنّ هذه المقارنات ستفرض ذاتها بقوّة ودون استشارة على ذهن القارئ أيضاً، فقرّرت أن أختتم النص بملاحظة أخيرة في هذا الإطار.

كُتبت هذه المقدّمات في زمن كانت فيه روح الثورة تهيم فوق فلسطين والجنوب العالمي، وكانت فيه أحلام تغيير العالم تتبلور في برامج عمليّة، ولم تكن مجرّد تخيّلات رومانسيّة لطيشان الجيل الشاب، كما هي في النظرة السائدة اليوم.

والحركة التشكيليّة في الأرض المحتلّة لم تكن غريبة عن هذه الروح. كانت الثورة تؤخذ على محمل الجدّ، والأهمّ من ذلك، كان الفنّانون يأخذون أنفسهم على محمل الجدّ كبنّائين، وخير مثال على ذلك المقولتان في الاقتباس التالي:

لقد حاول كلٌّ منّا أن يستمدّ صوته وصورته من غضب الناس البسطاء وأحلامهم بالعيش الكريم، وهذا ما نعاهدكم أن نستمرّ عليه[31].

 

إنّ رابطة الفنّانين التشكيليّين، وهي تشعر أنّ لديها المزيد ممّا تودّ أن تقدّمه إلى شعب الانتفاضة، لتعاهد شعبنا على مزيد من العطاء والإبداع على صعيد النشاط الفني التشكيلي الملتزم[32].

عندما قرأت هذه العبارات للمرة الأولى تخيّلت ما الذي سيحدث لو ضمَّن أحد الفنّانين عبارات مشابهة اليوم في مقدمة كتالوج؟ أعتقد أنّنا كنّا سنصنع منه أضحوكة.

يحدّد فانون ثلاثة مراحل يمرّ فيها المثقّف المستعمَر في انفصاله عن المستعمِر. يحاول المثقّف في المرحلة الأولى التماثل والتماهي مع المستعمِر وتيّاراته الفكريّة والثقافيّة. وفي المرحلة الثالثة يصبح المثقّف المستعمَر منخرطاً في المعركة، يحاول جاهداً هزّ الشعب بالإنتاج الثقافي الثوري. ما بينهما، أي المرحلة الثانية، هي زمن ما قبل المعركة؛ حين يبدأ المثقّف انفصالَه عن المستعمِر ورحلةَ البحث عن الذات:

ولكن لما كان المثقّف المستعمَر غير متغلغل في شعبه، لما كانت علاقته بشعبه علاقة خارجيّة، فإنّه في هذه المرحلة لا يزيد على أن يتذكّر. إنّه الآن ينتشل من أعماق ذاكرته مشاهد قديمة من طفولته، ويعود إلى أساطير عتيقة، فيحاول إعادة تأويلها على ضوء استطيقا مستعارة، وفلسفة في العالم وضعت تحت سماء غير هذه السماء. وهذا الأدب السابق على المعركة يكون في بعض الأحيان أدب سخرية ورمز. هذه مرحلة قلق، مرحلة انزعاج، مرحلة يعاني فيها الأديب تجربة الموت، وتجربة الغثيان أيضاً. إنه يتقيّأ، ولكن الضحك ينطلق ها هنا خفية من تحت[33].

ربما يصحّ هذا التوصيف على مرحلة تجاوزناها في السابق، إلا أنّه يحدث في حركة التاريخ اللولبيّة أن يعيد التاريخ نفسه دون أن يتكرّر.

وبفعل الإعادة، أرى في توصيف المرحلة الثانية تشخيصاً قريباً جداً لواقعنا اليوم أيضاً، حيث يهيمن القلق والانزعاج والغثيان وتسود السخرية.

في الخاتمة، اسمحوا لي أن أقفل هذا النص بدعوة: كفى للسخرية، ولنأخذ أنفسنا على محمل الجدّ مرة أخرى.

 

 

 

 

[1] رابطة الفنانين التشكيليين. المعرض الأول للمؤازرين. كانون الأول ١٩٨٦.

[2] فيصل دراج. ١٩٩٦. بؤس الثقافة في المؤسسة الثقافية. بيروت: دار الآداب، ٤٥.

[3] لاحظ/ي مثلاً الاقتباس التالي لفرانز فانون، ومدى تقارب المضمون مع هذه المقاربة: “إن وحدة الثقافة الإفريقية إنما تمر أولاً وقبل كل شيء بدعم كفاح التحرير الذي تخوضه الشعوب دعماً غير مشروط. وليس يريد ازدهار الثقافة الإفريقية وإشعاعها من لا يساهم مساهمة محسوسة في توفير الظروف التي يتحقق فيها هذا الازدهار وهذا الإشعاع، أعني تحرير القارة الإفريقية”. فرانز فانون. ٢٠١٥. معذّبو الأرض، ترجمة سامي الدروبي وجمال الأتاسي. الطبعة الثانية (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر)، ١٩٠.

[4] عبد اللطيف عقل. المعرض السنوي التاسع – رابطة التشكيليين الفلسطينيين. تموز ١٩٨٦.

[5] تختلف المصادر عن بعضها البعض في تحديد عام تأسيس الرابطة، وربما يعود الاختلاف إلى الالتباس في تحديد نقطة البداية، بسبب التعثّر في تسجيل الرابطة كجسم رسمي في بداياتها.

[6] جماعة ناجي العلي للفنون التشكيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة. المعرض الفني التشكيلي الثاني: شهداء الانتفاضة. تشرين الثاني ١٩٩٠.

[7] جماعة فنية نشأت من عدة فنانين في الرابطة، وكان أعضاؤها يميلون لمواقع يسارية.

[8] رابطة التشكيليين الفلسطينيين. المعرض الأول لتجمع الفنانين التشكيليين: يبوس. دون تاريخ (حوالي ١٩٩١-١٩٩٢).

[9] نبيل عناني. ٢٠١٩. الخروج إلى النور. تحرير رنا عناني (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، ٨٩-٩٠.

[10] Wolfe, Patrick. “Settler Colonialism and the Elimination of the Native,” Journal of Genocide Research, vol. 8, no. 4 (2006), pp. 387- 409.

[11] عبد اللطيف عقل. مرجع سبق ذكره.

[12] الهيئة الإدارية لرابطة التشكيليين الفلسطينيين. رابطة التشكيليين الفلسطينيين في الضفة والقطاع تقيم معرضها السنوي الحادي عشر. ١٩٨٨.

[13] مجلس اتحاد طلبة البولتكنيك. الفنانون التشكيليون في أسبوع فلسطين الثالث: أسبوع الشهيد فهد القواسمي. ١٩٨٥.

[14] ظهرت هذه الجماعة في أعقاب الانتفاضة الأولى وتأثّرت بها. كانت الانتفاضة قفزة في الحالة النضالية الشعبية في الأرض المحتلة، واستلزمت، بدورها، استجابة توازيها شأناً في حقل الفنون التشكيلية. ساهمت أيضاً التغطية الإعلامية الكبيرة المحلية والعربية والعالمية لأحداث الانتفاضة في إنتاج مجموعة كبيرة من الصور، وانتشار هذه الصور حرر الفنانين الفلسطينيين من تصوير الحدث الانتفاضي اليومي، ومما أسمته الجماعة “التسجيلية الواقعية والرمزية السطحية” في الأسلوب الفني في الأرض المحتلة. راجع/ي فيرا تماري، سليمان منصور، نبيل عناني، تيسير بركات. حاورهم عامر شوملي. هموم الهوية: حوار ومعرض فني لأربعة فنانين من مؤسسي حركة الفن الحديث في فلسطين. بيروت: دار النمر ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، ٣٠ آذار ٢٠١٩. https://www.youtube.com/watch?v=UaZLEwCP894

[15] رابطة التشكيليين الفلسطينيين. نحو التجريب والإبداع. تقديم ونصوص إبراهيم المزين. دون تاريخ (حوالي ١٩٩١).

[16] التجريب والإبداع. التجريب والإبداع. دون تاريخ (حوالي ١٩٩٤).

[17] المرجع السابق.

[18] يشير فرانز فانون: “يدرك المثقف، عاجلاً أم آجلاً، أن المرء لا يبرهن على وجود أمته بثقافة، بل يخوض المعركة التي يخوضها الشعب ضد قوى الاحتلال. ما من استعمار يبرهن على مشروعيته بكون البلاد التي يحتلها ليس فيها ثقافة. إنك لن تُخجِل الاستعمار حين تنشر أمام بصره الكنوز الثقافية المجهولة. إن المستعمَر المثقف حين يهمه أن يضع أثراً أدبياً ينسى أن التكنيك الذي يستعمله واللغة التي يكتب بها إنما هما مستعاران من المستعمِر المحتل؛ ويكتفي بأن يكسو هذه الأدوات بثوب يريد له أن يكون قومياً، ولكنه كالأدب الغربي الذي يتكلم عن البلاد الأخرى.” فرانز فانون. مرجع سبق ذكره، ١٨٠.

[19] نحو التجريب والإبداع. نحو التجريب والإبداع: برنامج الاجتماع النصف سنوي لاتحاد أبناء رام الله في الولايات المتحدة المنعقد في رام الله ربيع ١٩٩٣. ١٩٩٣.

[20] التجريب والإبداع. التجريب والإبداع. مرجع سبق ذكره.

[21] الهيئة الإدارية لرابطة التشكيليين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة. المعرض السنوي العاشر. تموز ١٩٨٧.

[22] انظر/ي نبيل عناني. مرجع سبق ذكره، ٨٢-٨٦.

[23] الهيئة الإدارية لرابطة التشكيليين الفلسطينيين. المعرض السنوي الحادي عشر. مرجع سبق ذكره.

[24] جمعية الشبان المسيحية- غزة. معرض نيسان للفن التشكيلي. تقديم فايز السرساوي وكامل المغني. ١٩٩٢.

[25] رابطة التشكيليين الفلسطينيين. المعرض الأول لتجمع الفنانين التشكيليين: يبوس. مرجع سبق ذكره.

[26] حركة فنية ظهرت في إيطاليا في القرن العشرين. كان الفنانون المستقبليون معجبين بالسرعة والآلات والصناعة والقوة والتصورات الرجولية للجسد. وارتبطت المستقبلية بالفاشية.

[27] عبد اللطيف عقل. مرجع سبق ذكره.

[28] جمعية الشبان المسيحية- غزة. مرجع سبق ذكره.

[29] مقتبس لدى فرانز فانون. مرجع سبق ذكره، ١٦٧.

[30] لجنة المعارض- رابطة التشكيليين الفلسطينيين. معرض الربيع. آذار ١٩٨٩.

[31] رابطة التشكيليين الفلسطينيين. المعرض الأول لتجمع الفنانين التشكيليين: يبوس. مرجع سبق ذكره.

[32] لجنة المعارض- رابطة التشكيليين الفلسطينيين. مرجع سبق ذكره.

[33] فرانز فانون. مرجع سبق ذكره، ١٧٩-١٨٠.